ابن أبي الحديد
116
شرح نهج البلاغة
أيقظوا بها نومكم ، واقطعوا بها يومكم ، وأشعروها قلوبكم ، وارحضوا بها ذنوبكم ، وداووا بها الأسقام ، وبادروا بها الحمام ، واعتبروا بمن أضاعها ، ولا يعتبرن بكم من أطاعها . الا فصونوها وتصونوا بها ، وكونوا عن الدنيا نزاها ، والى الآخرة ولاها ولا تضعوا من رفعته التقوى ، ولا ترفعوا من رفعته الدنيا ، ولا تشيموا بارقها ، ولا تسمعوا ناطقها ، ولا تجيبوا ناعقها ، ولا تستضيئوا باشراقها ، ولا تفتنوا بأعلاقها ، فان برقها خالب ، ونطقها كاذب ، وأموالها محروبة ، وأعلاقها مسلوبة . الا وهي المتصدية العنون ، والجامحة الحرون ، والمائنة الخؤون ، والجحود الكنود ، والعنود الصدود ، والحيود الميود ! حالها انتقال ، ووطأتها زلزال ، وعزها ذل ، وجدها هزل ، وعلوها سفل . دار حرب وسلب ، ونهب وعطب ، أهلها على ساق وسياق ، ولحاق وفراق ، قد تحيرت مذاهبها ، وأعجزت مهاربها ، وخابت مطالبها ، فأسلمتهم المعاقل ، ولفظتهم المنازل ، وأعيتهم المحاول ; فمن ناج معقور ، ولحم مجزور ، وشلو مذبوح ، ودم مسفوح ، وعاض على يديه ، وصافق بكفيه ، ومرتفق بخديه ، وزار على رأيه ، وراجع عن عزمه . وقد أدبرت الحيلة ، وأقبلت الغيلة ، ولات حين مناص هيهات هيهات قد فات ما فات ، وذهب ما ذهب ، ومضت الدنيا لحال بالها ، ( فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ) ( 1 ) .
--> ( 1 ) سورة الدخان 29 .